تستخدم للضغط على السلطات ولإثبات الوجود والإبتزاز

“التعراش”أحسن وسيلة لتحسين الأحوال ونيل “الموحال”

 


 

 

يعيش المجتمع الجزائري وسط تناقض كبير بين الأجيال وطرق التفكير ما ساهم في ظهور العديد من السلوكات الإيجابية منها والسلبية وبالمقابل اندثار الكثير من القيم الثمينة.كل هاته التراكمات والحقب الزمنية انعكست إيجابا وسلبا على النسيج الاجتماعي فأصبح المجتمع الجزائري المتغير باستمرار مزيجا قد يكون غير متكافئ بين فئات وطبقات اجتماعية مختلفة المسالمين والعاديين، العنيفين والمنحرفين، المثقفين وقادة الرأي، شباب الموضة وشيوخ زمان، الفقراء وأصحاب رؤوس الأموال... كلها فئات جعلت من النسيج الاجتماعي الجزائري أكثر تنوعا وأكثر صراعا، لكن ينفرد بعض الشباب من المنبوذين غالبا اجتماعيا بسلوكات منحرفة إذ تجدهم يتمادون في تصرفاتهم الشاذة والغريبة والتي يحاولون من خلالها فرض أنفسهم بطريقة يرون أنها الأمثل والأفضل لكي يثبتوا وجودهم في المجتمع ويضغطون باستعمالها على المجتمع والأهم على السلطات والهيئات الحكومية من أجل نيل مرادهم فهم يجسدون ظاهرة التعراش بكل تفاصيلها المرعبة أحيانا والتي تستهدف إيذاء الجسم باستعمال غالبا آلات حادة، والجروح والدماء هي غذاء التعراش المفضلآخر ساعة أرادت اقتحام هذا العالم الذي نراه من بعيد نتفرج عليه ننتقده دون معرفة أبطاله، ومن بابه الواسع شرحنا الظاهرة وأسبابها والتقينا ببعض الشباب الذين أبدوا رفضهم القاطع لمثل هذه السلوكات المشينة بل وبدوا جد غاضبين من العنف والإجرام المتزايدين في البلاد..


«التعراش” انحراف عن القيم والمبادئ العامة


عن المفهوم السوسيولوجي لظاهرة “التعراش” ومدى تأثيرها على المجتمع أكد الاخصائي الاجتماعي صالح خرواطي لـ “آخر ساعة” أن المجتمع ينبذ التعراش ويراه سلوكا منحرفا عن القاعدة القيمية المتعارف عليها حيث قال:«في بادئ الأمر علينا الاتفاق بأن هذا الفعل يعد سلوكا منحرفا في المجتمع الجزائري، ذلك لأن مصطلح الانحراف يشير إلى كل فعل أو سلوك لا يمتثل إلى قاعدة معينة أو حزمة من القواعد التي يقبلها معظم أفراد المجتمع. وبالتالي تسقط عليه جميع جوانب الفعل المنحرف و هو ما سنبني عليه الاتجاه النظري والواقعي. ومن وجهة نظر علم الاجتماع فالانحراف أمر نسبي يختلف من مجتمع إلى آخر تبعا لاختلاف قيم الثقافة. فإيذاء الجسم بالسكين و جرح الرأس عمدا لا يعتبر انحرافا لدى بعض الطوائف الشيعية، بل هي عادات تحولت بمرور الزمن إلى شبه اعتقاد لديهم ، كذلك عملية الوشم التي يتخذها البعض كنوع من أنواع التعبير، في حين تتجه النظرة لدينا إلى نبذ ورفض هذا السلوك الدموي وبالتالي فهو انحراف عن القيم والمبادئ العامة المتعارف عليها في المجتمع الجزائري”.


التنشئة والوسط العائلي يساهمان في تعلم الشباب لهذه السلوكات


وتابع خرواطي صالح حديثه كاشفا أن دوافع السلوك المنحرف ترجعه النظريات البيولوجية إلى اختلالات معينة في التركيب الوراثي والجينات والمرض العقلي . ويفسره علماء النفس على ضوء الاضطرابات الشخصية ، فيما يرجعه علماء الاجتماع الى عوامل اجتماعية عدة  أهمها  تعلم السلوك المنحرف و يؤول ذلك إلى طبيعة التنشئة الاجتماعية للفرد ، فكما يتعلم الفرد الامتثال في البيئة الصالحة يتعلم الانحراف في البيئة السيئة ، ففقدان المعيارية حيث تشيع مظاهر الانحراف في المجتمع  في حالة غموض أهدافه و تخبط الأساليب المقبولة لتحقيقها ، تخلط على الأفراد فهم السبل السليمة لتحقيق أهدافهم ما يقودهم لاتخاذ سبل انحرافية بعيدة عن المعايير الاجتماعية لتحقيقها .


إلصاق صفة “الانحراف” بالطفل منذ صغره تزيد من عدوانيته 


  قد يؤدي رد فعل المجتمع إزاء سلوك منحرف ارتكبه شخص في صغره  لظروف ما إلى تدعيم هذا السلوك فإذا صنف المجتمع الشخص بأنه منحرف يزداد احتمال انحرافه  في الكبر حيث يتخذ من الانحراف تأكيدا لما عرف عنه، ويصبح بعدها يميل إلى التصرفات العدوانية مع مرور الوقت، ويصبح معروفا في بيته أو في حيه بأنه عدواني ومنحرف وهو عامل سلبي ويصعب عليه الخروج من هذا العالم الذي يصبح جزءا لا يتجزأ من حياته اليومية هنا يلصق المجتمع بطاقة ووصم انحراف للطفل أو حتى الفرد البالغ تتبعه إلى غاية نهاية العمر وتجعله يتكيف معها مع الوقت وتصبح حقيقة لا تتجزأ من شخصيته.


الحالة الاجتماعية القاهرة السبب الأول للجوء الى هذا التصرف الشاذ


  يؤدي عدم التكافؤ بين المتنافسين أو بعض مظاهر التمييز في ميادين مختلفة كالتوظيف ، السكن ، الصحة إلى الانحراف ، حيث يحاول أحد المنافسين كسب التنافس ببعض الطرق التي لا تتفق مع معايير الجماعة كما يعتبر الإحباط في حالة الفشل سببا للجنوح نحو القيام بمثل هذا السلوك المنحرف وهو “التعراش”،  و يشكل الانحراف خطورة بالنسبة للفرد بصفة خاصة حيث يبدد طاقته وجهده ويحطم مستقبله ويعرضه للعقاب والسجن أو التعرض للإيذاء و المجتمع بصفة عامة خاصة في غياب الوازع الديني حيث يعطل مصالح المجتمع ويضيع جهد أبنائه ويهدد سعادة الناس وحريتهم وأمنهم.


التعراش” ليس  من شيم المجتمع الجزائري ويجب محاربته


يمكن القول أن مشكلة إيذاء الجسم بالآلات الحادة أو ما يسمى لدى العامة بـ  “التعراش “، بغية لفت الأنظار للحصول على بعض المكاسب الاجتماعية ، والتي بدأت تنتشر بحدة بمدينة عنابة  ليست من شيم المجتمع الجزائري الذي استنكرها منذ البداية ، و هو ما سارع في تراجعها بفضل حسن تعامل مصالح الأمن التي عادة ما تلجأ إلى طرق احترافية في التعامل مع هذه الفئة ، و كذا مسارعة الدولة لاتخاذ إجراءات وقائية كإلزام المسؤولين على فتح قنوات الاتصال ، و إجبارية تخصيص يوم في الأسبوع لاستقبال المواطنين للاستماع إلى انشغالاتهم ومحاولة إيجاد حلول لها . و يبقى دور المجتمع مهما من أجل استباق هذه الأفعال فالأسرة و المدرسة و المسجد و جميع المؤسسات مدعوة للانخراط في التوعية و المساعدة في خلق السلام النفسي و التوازن الأخلاقي للفرد .


«التعراش” يعادل “النداب” لدى النساء


وقد حاولنا البحث في تاريخ ظهور سلوك “التعراش” في مجتمعنا وبروزه وكم كان صعبا الوصول إلى ذلك لكن ما تحصلنا عليه من معلومات تؤكد أن التعراش سلوك قديم جدا لكنه معروف عند النساء تستعمله المرأة واسمه باللغة العامية “النداب” حيث تقوم المرأة بجرح وجهها أثناء البكاء أو عند حدوث شيء محزن في حياتها لتترك خدوشا هامة على مستوى الوجه، كما أن الإضرار بالنفس بالضرب فهو عادة يستعملها أصحاب المذهب “الشيعي” و«الشواذ”.  


العنف و«التعراش” وسيلة للبروز بالنسبة للفاشلين


التقينا ببعض الشباب وسألناهم عن رأيهم في التعراش كوسيلة جديدة للضغط والتي أصبحت سلاحا يستخدمه الكثير من الشباب المنحرفين فأجمعوا أن أغلب من يلجؤون إلى التعراش لم يسعفهم  الحظ في إيجاد مناصب عمل بسبب عدم امتلاكهم لأي مستوى دراسي وهي الفئة الأكثر خطرا قياسا بجهلها الكبير والتي تعيش مسيرة تحت وطأة الحبوب المهلوسة و«الزطلة” والأحلام الزائفة والهجرة إلى أوروبا حيث يجدون لذة كبيرة في الشجار واستعمال الأسلحة البيضاء و«السيوف” ويعشقون تكسير أملاك الغير والشتم بصوت عالي أمام الجيران ويقطعون أجسادهم بشفرات الحلاقة وبالأسلحة البيضاء على اعتبار أنهم في تلك اللحظات التعذيبية يكونون فاقدي الوعي أي تحت تأثير الحبوب المهلوسة. ويرى بعض محدثينا أن مثل هؤلاء لا يملكون الشجاعة والقوة للقيام بتلك الجروح عندما يكونون في كامل وعيهم ويسمون هذا السلوك بـ “التعراش” ولا يعلمون أن تقطيع الجسد عادة قديمة كانت تقوم بها النسوة عند الحزن فتقطعن أجسادهن بجرح وجوههن بأظافرهن عند وفاة أحد الأقارب.


الحديث عن أصدقاء السجن و«الزطلة” موضوعهم المفضل


يوجد موضوع واحد يدور بين الفئة المنحرفة التي تختار دائما مكانا معزولا في حيهم فتجدهم لا يتحدثون سوى عن أصدقائهم في السجن وعن المغامرات والشجارات التي قام بها غيرهم ويتحدثون عن المكان الذي سيشترون منه “الزطلة” أو الحبوب المهلوسة في المساء ويبقى موضوعهم المفضل هو الشجارات التي تقع في حيهم وفي أحياء أخرى حيث لا تسمع في “مجمعهم” غير هذه المصطلحات: “قاسوه بالموس”،”ضربوه بسيف”،”تحاماو فيه” ،«نحروه” والعديد من الكلمات الأخرى وأغلبهم مسبوقون قضائيا أو ينتظرون أول فرصة للدخول إلى عتبة السجن.


جبناء لا يغادرون أحياءهم.. يتشاجرون في مجموعات ويتحولون إلى نعاج في مراكز الشرطة


كنا في كل مرة نسأل أحد الشباب عن ظاهرة التعراش وفئة المنحرفين تجده غاضبا غير راض عن مثل هاته السلوكات المشينة وهو ما عبر عنه أحد الشباب المثقفين الذي بدا جد ساخط على العنف المتزايد في بلادنا حيث قال: “الشيء الذي لا يعرفه الكثير حول هؤلاء المنحرفين أن أغلبهم جبناء ولا يملكون أي ذرة من الشجاعة حيث يستعملون في الشجارات دائما مختلف الأسلحة البيضاء ويتفادون الشجار عندما يكونون بمفردهم حيث يستمدون قوتهم في الشجار الجماعي ويلجأون غالبا لأصدقاء آخرين الذين يقدمون على مساعدتهم تحت تسمية “النيف والرجلة” -حسب اعتقادهم- كما أن العديد من هؤلاء الشبان وخاصة الذين لديهم سوابق في السرقة والاعتداءات لا يغادرون أحياءهم بسبب هوسهم وتخوفهم من تعرضهم لأي اعتداء في حي آخر حيث يملكون العديد من الضغائن فهم يرتكبون العديد من الجرائم ويتصرفون بطيش تحت وطأة المخدرات ما يضعهم في ورطة عندما يستعيدون وعيهم، وتتحول هذه الفئة بشهادة الجميع إلى نعاج عند دخولهم إلى المراكز الأمنية حيث يذرفون الدموع بمجرد الوقوع في فخ الشرطة”.


الملاهي الليلية مكان ترفيههم و«الرشقة” بأموال الهواتف النقالة المسروقة


 

 وتبقى الملاهي الليلية هي الوجهة رقم واحد للمنحرفين الذين يعتبرون من أبرز زبائنها حيث يرفهون على أنفسهم ويدخلون إلى العالم البذخ والرفاهية و«الحياة الحلوة” في هذه الأماكن التي تعتبر بمثابة متنفسهم الوحيد خاصة أنهم يجدون فيها الخمر والغناء وبائعات الهوى ويقومون بصرف أموال الهواتف النقالة التي قاموا بسرقتها في النهار في جرائم مختلفة في الملاهي الليلية حيث لا يتوانون في القيام بـ “الرشقة” “في خاطر” أصدقائهم في “الغيبية” أو “لي ربي يطلق سراحهم”.

  • email إرسل إلى صديق
  • print نسخة صالحة للطباعة

تعليقات (0 منشور) :

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك